الثلاثاء، 21 يوليو 2026

انتصار لذاكرة المقاومة المغربية في الريف: ملف أكاديمية التراث يقود دار ومحكمة الخطابي إلى الحماية القانونية

انتصار لذاكرة المقاومة المغربية في الريف: ملف أكاديمية التراث يقود دار ومحكمة الخطابي إلى الحماية القانونية

قرار وزاري يقيد الموقع التاريخي الموجود بجماعة تروكوت في عداد الآثار، تتويجًا لملف تقدمت به منظمة أكاديمية التراث في أكتوبر 2025



تُوّج ملف التقييد الذي تقدمت به منظمة أكاديمية التراث – Heritage Academy N.G.O بإدراج دار ومحكمة المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي، الموجودة بجماعة تروكوت في إقليم الدريوش، ضمن لائحة المعالم التاريخية المحمية قانونًا.

وجاء هذا التقييد بموجب قرار وزير الشباب والثقافة والتواصل رقم 1155.26، الصادر في 16 ذي الحجة 1447 الموافق لـ2 يونيو 2026، والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 7525 بتاريخ 13 يوليو 2026.

وحدد القرار العقار تحت اسم «دار ومحكمة عبد الكريم الخطابي»، والمسجل في الرسم العقاري باسم «المحمدية» تحت رقم 11/22444، والكائن بجماعة تروكوت، دائرة الريف، إقليم الدريوش.

ويمثل القرار مكسبًا مهمًا لذاكرة المقاومة المغربية، بالنظر إلى الارتباط المباشر لهذا الموقع بشخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي، أحد أبرز رموز مقاومة الاستعمار في المغرب والعالم، وصاحب تجربة تاريخية تجاوز تأثيرها حدود الريف والمغرب.

ملف تقدمت به منظمة أكاديمية التراث

لم يأت القرار الوزاري من فراغ، بل شكّل تتويجًا لمسار بدأ بإعداد ملف خاص بالموقع التاريخي وإيداع طلب رسمي لتقييده في عداد الآثار.

وقد سجل القرار، ضمن ديباجته، أن مسطرة التقييد جاءت بعد الاطلاع على طلب التقييد الذي تقدم به رئيس أكاديمية التراث بتاريخ 6 أكتوبر 2025.

وتؤكد هذه الإشارة الواردة في النص الرسمي أن حماية دار ومحكمة الخطابي جاءت بناء على ملف تقدمت به منظمة أكاديمية التراث – Heritage Academy N.G.O، بهدف لفت انتباه المؤسسات المختصة إلى القيمة التاريخية للموقع وضرورة إخضاعه للحماية القانونية قبل تعرضه للمزيد من التدهور أو التغيير.

وبعد إيداع الطلب، عُرض الملف على اللجنة المختصة المنصوص عليها في التشريع المغربي المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية، خلال اجتماعها المنعقد بتاريخ 31 مارس 2026، قبل أن تصدر الوزارة قرار التقييد النهائي.

ويبرز نجاح هذا الملف أهمية المبادرات المدنية الجادة في رصد المعالم التاريخية وإعداد ملفاتها والترافع من أجل حمايتها، خصوصًا في المناطق التي ما زال جزء مهم من تراثها المادي خارج دوائر التوثيق والتثمين.

حماية قانونية لدار ومحكمة الخطابي

يضع القرار دار ومحكمة محمد بن عبد الكريم الخطابي تحت مقتضيات القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات.

وبموجب هذه الحماية، لا يجوز إحداث أي تغيير في الشكل العام للمعلمة كما كانت عليه عند صدور قرار التقييد، إلا بعد إخبار المصالح المختصة بقطاع الثقافة قبل التاريخ المقرر للشروع في الأشغال بستة أشهر على الأقل.

ويشكل هذا المقتضى ضمانة قانونية أولية ضد أي تدخل غير مدروس قد يمس بهوية المبنى أو يغير معالمه التاريخية. كما يفتح المجال أمام إخضاع أي مشروع مستقبلي للترميم أو التأهيل للمراقبة والخبرة المختصة.

غير أن التقييد القانوني، على أهميته، لا يمثل سوى الخطوة الأولى. فالحالة التي يوجد عليها المبنى تستدعي الانتقال سريعًا إلى مرحلة التشخيص المعماري، واتخاذ تدابير الحماية المستعجلة، ثم إعداد مشروع علمي متكامل لترميمه وإعادة الاعتبار إليه.

موقع يتجاوز قيمته حدود تروكوت

لا تقتصر قيمة دار ومحكمة الخطابي على بعدها المعماري، بل تنبع أساسًا من الذاكرة التي يحملها المكان ومن ارتباطه بمرحلة مفصلية في تاريخ الريف والمغرب.

فمحمد بن عبد الكريم الخطابي لم يكن مجرد قائد محلي للمقاومة، بل أصبح رمزًا عالميًا للتحرر ومواجهة الاستعمار. وتأثرت بتجربته حركات تحرر وشخصيات سياسية وعسكرية في مناطق مختلفة من العالم.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل ترميم الموقع وتأهيله أساسًا لإنشاء فضاء متحفي وثقافي يعرف بتاريخ المقاومة الريفية وبمسار الخطابي، ويتيح للباحثين والطلبة والزوار الاطلاع على هذا الجانب من الذاكرة الوطنية.

كما يمكن للمشروع أن يساهم في تنشيط السياحة الثقافية بإقليم الدريوش، وربط حماية التراث بالتنمية المحلية، بدل إبقاء هذه المواقع عرضة للإهمال والتدهور.

معلمان آخران ضمن القرار

وشمل القرار الوزاري نفسه تقييد معلمين تاريخيين آخرين في إقليم الدريوش، هما بناية «لا كومبانيا – La Campana» الموجودة بجماعة تزاغين، ومعسكر تلامغيت.

ويعكس إدراج هذه المعالم الثلاثة في قرار واحد ما تزخر به المنطقة من رصيد تاريخي يستوجب المزيد من البحث والتوثيق والحماية.

ومع ذلك، تحتل دار ومحكمة محمد بن عبد الكريم الخطابي موقعًا مركزيًا ضمن هذه العملية، بالنظر إلى رمزيتها الوطنية والدولية وارتباطها المباشر بتاريخ المقاومة المغربية في الريف.

من قرار التقييد إلى ورش الترميم

تعتبر منظمة أكاديمية التراث أن صدور قرار التقييد يمثل نجاحًا لجهود حماية الذاكرة التاريخية، لكنه يضع في الوقت نفسه مسؤولية جديدة على عاتق جميع المتدخلين.

فالمرحلة المقبلة تتطلب تعبئة المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والباحثين والخبراء وفعاليات المجتمع المدني، من أجل تحويل الحماية القانونية إلى برنامج فعلي لإنقاذ المبنى وترميمه وتثمينه.

وبهذه المناسبة، تتقدم منظمة أكاديمية التراث – Heritage Academy N.G.O بالشكر إلى المحافظ السابق السيد أنس المنيدي على مواكبته للملف، وإلى مسؤولي وأطر مديرية التراث الثقافي ووزارة الشباب والثقافة والتواصل على جهودهم في دراسة الملف واستكمال مسطرة التقييد.

إن إدراج دار ومحكمة المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي في عداد الآثار انتصار لذاكرة المقاومة المغربية في الريف، لكنه ليس نهاية المسار. فالرهان الحقيقي يبدأ الآن: إنقاذ المعلمة من التدهور، وترميمها وفق المعايير العلمية، وتحويلها إلى فضاء حي يحفظ ذاكرة الخطابي وينقلها إلى الأجيال المقبلة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

انتصار لذاكرة المقاومة المغربية في الريف: ملف أكاديمية التراث يقود دار ومحكمة الخطابي إلى الحماية القانونية

انتصار لذاكرة المقاومة المغربية في الريف: ملف أكاديمية التراث يقود دار ومحكمة الخطابي إلى الحماية القانونية قرار وزاري يقيد الموقع التاريخي ...